الشنقيطي
467
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فصل وأما قياس الدلالة - فهو الجمع بين الأصل والفرع ، بدليل العلة وملزومها ، ومنه قوله تعالى : وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 39 ) [ فصلت : 39 ] فدل سبحانه عباده بما أراهم من الإحياء الذي تحققوه وشاهدوه ، على الإحياء الذي استبعدوه ، وذلك قياس إحياء على إحياء ، واعتبار الشيء فنظيره ، والعلة الموجبة هي عموم قدرته سبحانه وكمال حكمته ، وإحياء الأرض دليل العلة ، ومنه قوله تعالى : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ ( 19 ) [ الروم : 19 ] . فدل بالنظير على النظير ، وقرب أحدهما من الآخر جدا بلفظ الإخراج ، أي يخرجون من الأرض أحياء كما يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ، ومنه قوله تعالى : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ( 36 ) أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ( 37 ) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ( 38 ) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( 39 ) أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ( 40 ) [ القيامة : 36 - 40 ] فبين سبحانه كيفية الخلق واختلاف أحوال الماء في الرحم إلى أن صار منه الزوجان الذكر والأنثى ، وذلك أمارة وجود صانع قادر على ما يشاء ، ونبه سبحانه عباده بما أحدثه في النطفة المهينة الحقيرة من الأطوار ، وسوقها في مراتب الكمال ، من مرتبة إلى مرتبة أعلى منها ، حتى صارت بشرا سويا في أحسن خلقة وتقويم ، على أنه لا يحسن به أن يترك هذا البشر سدى مهملا معطلا . لا يأمره ولا ينهاه ، ولا يقيمه في عبوديته ، وقد ساقه في مراتب الكمال من حين كان نطفة إلى أن صار بشرا سويا ، فكذلك يسوقه في مراتب كماله طبقا بعد طبق ، وحالا بل حال ، إلى أن يصير جاره في داره يتمتع بأنواع النعيم ، وينظر إلى وجهه ، ويسمع كلامه - إلى آخر كلام ابن القيم رحمه اللّه تعالى ، فإنه أطال في ذكر الأمثلة على النحو المذكور ، ولم نذكر جميع كلامه خوفا من الإطالة المملة ، وفيما ذكرنا من كلامه تنبيه على ما لم نذكره ، وقد تكلم على قياس الشبه فقال فيه : وأما قياس الشبه فلم يحكه اللّه سبحانه إلا عن المبطلين ؛ فمنه قوله تعالى إخبارا عن إخوة يوسف أنهم قالوا لما وجدوا الصواع في رحل أخيهم . إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ [ يوسف : 77 ] فلم يجمعوا بين الفرع والأصل بعلة ولا دليلها ، وإنما ألحقوا أحدهما بالآخر من غير دليل جامع سوى مجرد الشبه الجامع بينه وبين يوسف ، فقالوا هذا مقيس على أخيه بينهما شبه من وجوه عديدة ، وذلك قد سرق فكذلك هذا ، وهذا هو الجمع بالشبه الفارغ والقياس بالصورة المجردة عن العلة المقتضية للتساوي ، وهو قياس فاسد ، والتساوي في قرابة الأخوة ليس بعلة للتساوي في السرقة لو كان حقا ولا دليل على التساوي فيها فيكون الجمع لنوع شبه خال من العلة ودليلها .